ابن عطاء الله السكندري
46
اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية
ربه تعالى لا على عمله ، لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله » قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : « ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه بفضله ورحمته » . ذلك أن عمل الإنسان لا يكون معتبرا إلا إذا كان مقبولا ، وقبوله بمحض فضل اللّه تعالى هذا إضافة إلى أن أعمال العبد هي بتوفيق اللّه تعالى ومنّه . قال تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 ) [ الصّافات : 96 ] فاللبيب من لا يعظم رجاؤه إذا ما كثرت أعماله الصالحة ، ولا يقنط من رحمة اللّه تعالى وييأس إذا ما قصّر في الطاعة أو وقع في المعصية : قال الإمام الشافعي : يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة * فلقد علمت بأن عفوك أعظم وقال الشيخ ابن عطاء اللّه السكندري : ولا يمنعه ذنب من رجاء * فإن اللّه غفار الذنوب وقال الإمام البوصيري : حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه * أو يرجع الجار منه غير محترم وقال أيضا : يا نفس لا تقنطي من زلة عظمت * إن الكبائر في الغفران كاللمم لعلّ رحمة ربي حين يقسمها * تأتي على حسب العصيان في القسم يا رب واجعل رجائي غير منعكس * لديك واجعل حسابي غير منخرم ولا يظن أحد أن هذه الحكمة تقلل من أهمية الإكثار من الأعمال الصالحة بل هي تحذر الإنسان من الاعتماد عليها والركون إليها والغرور بها لكي لا ينقص رجاؤه إذا ما قصر يوما ما فييأس ويقنط من رحمة اللّه تعالى فيصدق في حقه قول اللّه تعالى : وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [ الحجر : 56 ] . فالأعمال الصالحة هي سبب رضي اللّه تعالى ورفع الدرجات في الجنة . فعلى المسلم أن يتمثل قول اللّه تعالى : الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 42 ) [ النّحل : 42 ] ويتمثل قول اللّه تعالى : لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [ الزّمر : 53 ] .